الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

73

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

الغائب قبل عينه . فبيّن عليه السّلام أمرين بنحو الضابط لتحصيل المعرفة الحقة ويميّزها عن غيرها . وحاصله : أن المعرفة الحاصلة عن شهود المعروف هو المعرفة الحقيقية بدون دخالة الصفات لتحصيل تلك المعرفة ، إذ هي حينئذ قبل الصفات ، وهذا بخلاف معرفة الغائب عن الشهود ، فإنه إذا كان المعروف غائبا فلا محالة ، أوّلا تتعلق المعرفة بصفات الغائب فيذكر الغائب بصفاته ، ثم منه تحصل المعرفة بعين الغائب ، كما كان في أقسام المعرفة السابقة من الصحيحة منها فإنها كلها كانت كذلك . وكيف كان : فتوضيح المعرفة الشهودي الحاصلة عن شهود المعروف ، بدون دخالة الصفات فيها ، هو ما ذكره عليه السّلام بعد ما قيل له : وكيف تعرف عين الشاهد قبل صفته ؟ قال عليه السّلام بقوله : " تعرفه وتعلم علمه وتعرف نفسك به ولا تعرف نفسك بنفسك من نفسك ، وتعلم أن ما فيه له وبه كما قالوا ليوسف : إنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي 12 : 90 ، فعرفوه به ولم يعرفوه بغيره ولا أثبتوه بتوهم القلوب " الحديث . بيانه : أنه ذكر لمعرفة الرب طريقان : الطريق الأول : السير الآفاقي وهو وحده لا يوجب معرفة حقيقة ، لأن إيجاب الموجودات الآفاقية للمعرفة إنما هو لكونها آثارا وآيات ، وهي لا توجب إلا علما حصوليا بوجود الصانع تعالى ، وهو علم متعلق بقضية ذات موضوع ومحمول أعني قولنا : الصانع موجود ، وهذا من المفاهيم القائمة بالنفس وجودا ذهنيا . هذا مع أنه قام البرهان على أنه تعالى وجود محض لا مهيّة له ، فيستحيل دخوله في الذهن . فكل ما وصفه الذهن وتصوره واجبا ، وحكم عليه بمحمولاته من الأسماء والصفات فهو غيره سبحانه البتة ، ولهذا الكلام مجال للبحث مذكور في محله ، ولعله سيجيء توضيحه فيما بعد ، فهذا الطريق لا يفيد معرفة شهوديّة .